ثقافة مسرحية "البارح حلمت بيك" للبنى مليكة وإبراهيم جمعة: ماذا بعد الجريمة؟
عديدة هي الجسور التي تسمح بالمرور من عالم الواقع الى عالم الخيال. الأحلام، الذاكرة، الاستيهامات، الهلوسات هي بعض من الوسائل التي تسمح بسحب البساط عن مادية الوجود بهدف الولوج الى فضاءات الخيال. في مسرحية "البارح حلمت بيك" للبنى مليكة وإبراهيم جمعة، تتقمص لبنى شخصية أم مكلومة بعد اقدام ابنها على الاعتداء على أستاذه بسكين مما تسبب له في أضرار جسدية فادحة، يسمح لها فعل التقمص بتخيّل ردود فعل هذه الأم التي تضيع صورتها بين طيّات فظاعة الجريمة المرتكبة. فما هي أحاسيسها وماهي انفعالاتها وكيف تتواصل حياتها تحت رداء المصيبة؟
انطلاقا من هذه الحادثة التي جدّت منذ سنوات قليلة بأحد المعاهد التونسية والتي سُلّط عليها الضوء من خلال الثنائي التلميذ-الأستاذ وبشاعة ما اقترفه ابن السابعة عشر عاما، ترتكب المسرحية عملية تحويل وجهة اذ تتسلل الى عالم طرف ثالث تربطه علاقة وطيدة بالحادثة وهي أم المعتدي، هذه التي سهرت الليالي وجاهدت بالأيام لتنشئته. تتسلل الى عتمة حزنها العميق، وهو الفضاء المسرحي الذي يكتشفه المتفرج، وقد تم تصميمه ليكون بمثابة العلبة السوداء المغلقة تماما كالفضاء النفسي لهذه الأم الملتاعة. يجلس الحضور على مُدرّجات تم اعدادها خصيصا للعمل ووضعها على ركح قاعة "الفن الرابع"، فتبان المسرحية في شكل "الكاميرا أوبسكورا" أي الغرفة المظلمة التي يصعب متابعة ما يجري فيها ما بعد الجريمة.
تحت اضاءة طفيفة يتناقلها الثنائي لبنى وابرهيم اللذان يجسدان دور الأم وابنها، تبرز تعبيرات مختلفة لأم لم تعد تطيق تحمل وجهها، لأم تسعى لانتزاع ملامح وجهها وهي التي لم يعد لها وجه بعد الجريمة ولابن لا يمكنه تقديم أي مبررات أو التعبير عن أحاسيسه ماعدا حنانه الدائم لأمه.
ترسم المسرحية في هذا السياق لوحات مجازية لأم ملاك (عندما تظهر مغطاة الرأس بقماش أسود شفاف وانارة خفيفة تضفي عليها هيبة الصابرين- الصامدين) مقابل الابن الدموي (عندما يظهر مرتديا سترة حمراء على رأسه وبداخلها فانوس مضيء) أو اللوحة التي يبتلع فيها بطن الأم قطعة قماش سوداء طويلة في محاولة لإعادة الشرور المقترفة الى بطن النقاوة الاولى. فما عسى لأم أن تفعل في مثل هذه الوضعية المعقدة وهي ترى فلذة كبدها وقد أضحى مجرما وراء القضبان؟ كيف لها أن تواجه جريمة شنيعة كهذه، وما تراها تعمل وقد نزل عليها بلاء مريع؟
وقد توفقت المسرحية بفضل وسائط بسيطة تعكس المنحى المينيمالي الذي اتخذه العمل في كليّته، في التعبير عن مواقف عديدة مثل اللوحة التي تتضاعف فيها الصورة بين صورة الأم التي تعتلي طاولة محاولة التجذيف ضدّ تيار الفاجعة و"الصورة الظلّ" التي تظهر على الحائط الخلفي والتي تتجلى فيها الأم وكأنها ممتطيّة لسجاد طائر بعيدا عن هموم الواقع. صورة خلفية حالمة تظلّ راسخة في الذهن لما فيها من انصاف للأمهات اللاتي يعانين من ويل المصائب التي قد يرتكبها ابناؤهن. لا تستحق الأمهات مثل هذا الوجع، لا تستحق أي أم شقاء تَحمُّل "كارثة" من هذا القبيل.
لئن انطلقت "حلمت بيك البارح" من حادثة إجرامية تطرقت لها جلّ وسائل الاعلام لبشاعة طبيعتها، فإنها آثرت معالجتها فنيّا من خلال تسليط الضوء على المُصاب الذي حلّ بأم المعتدي (وقع الجريمة واستتباعاتها، وجع الفراق والحرمان، الاضطراب النفسي، محاولة احتواء الحادثة، الخ)، وهي تيمة تمّ الاشتغال عليها بالاعتماد على تمشي يسعى لطبع مشاعر وأحاسيس الأم الملتاعة بصور تخييليّة فيها من الشاعرية ما يسمح للمتفرج بأن يقطع مع فجاجة الواقع ومراراته.
الجذاذة الفنية للعمل:
إخراج وتمثيل: لبنى مليكة وإبراهيم جمعة
مساعدة إبداعية: آية طرابلسي
موسيقى أصلية: جهاد خميري
توضيب الإنارة: فيصل بن صالح
توضيب الصوت: صابر القاسمي
توضيب الرّكح: غسّان الستّي - لطفي الجبالي
توضيب الملابس: مروة منصوري
مكلفة بالإنتاج: فاتن الجوادي
توضيب إنتاج : رضوان بوليفة
إنتاج: المسرح الوطني التونسي 2023
هذا العرض بدعم من آفاق (الصندوق العربي للثقافة والفنون)، صندوق دعم الثقافة الافريقية ومؤسسة كمال الأزعر
تصميم المعلقة: © بليتس - أمان أكجة
شيراز بن مراد